الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
323
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لما حل بهم عند ذلك الموعد فكان الموقع للفاء لتفريع ما حلّ بهم على الوعيد به . وليس في قصة عاد وقصة مدين تعيين لموعد العذاب ولكنّ الوعيد فيهما مجمل من قوله : وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ [ هود : 57 ] ، وقوله : وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ [ هود : 93 ] . وتقدم القول في معنى جاءَ أَمْرُنا إلى قوله : أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ في قصة ثمود . وتقدم الكلام على بُعْداً في قصة نوح في قوله : وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ هود : 44 ] . وأما قوله : كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ فهو تشبيه البعد الذي هو انقراض مدين بانقراض ثمود . ووجه الشبه التّماثل في سبب عقابهم بالاستئصال ، وهو عذاب الصيحة ، ويجوز أن يكون المقصود من التّشبيه الاستطراد بذمّ ثمود لأنهم كانوا أشدّ جرأة في مناواة رسل اللّه ، فلمّا تهيأ المقام لاختتام الكلام في قصص الأمم البائدة ناسب أن يعاد ذكر أشدّها كفرا وعنادا فشبّه هلك مدين بهلكهم . والاستطراد فنّ من البديع . ومنه قول حسّان في الاستطراد بالهجاء بالحارث أخي أبي جهل : إن كنت كاذبة الذي حدثتني * فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبّة أن يقاتل دونهم * ونجا برأس طمرّة ولجام [ 96 ، 97 ] [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 96 إلى 97 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 96 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ( 97 ) عطف قصة على قصة . وعقّبت قصة مدين بذكر بعثة موسى - عليه السّلام - لقرب ما بين زمنيهما ، ولشدة الصلة بين النبيئين فإن موسى بعث في حياة شعيب - عليهما السّلام - وقد تزوّج ابنة شعيب . وتأكيد الخبر ب ( قد ) مثل تأكيد خبر نوح - عليه السّلام - في قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [ هود : 25 ] . والباء في بِآياتِنا للمصاحبة فإن ظهور الآيات كان مصاحبا لزمن الإرسال إلى فرعون وهو مدّة دعوة موسى - عليه السّلام - فرعون وملأه . والسلطان : البرهان المبين ، أي المظهر صدق الجائي به وهو الحجّة العقليّة أو